الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

186

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يريد بضمير ( أحرزوا ) جماعة المشركين ، وبضمير ( جمّعوا ) جماعة المسلمين . ويعضّد هذا ما ذكره الطبري والواحدي وكثير من المفسّرين عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما : أنّ المعنيّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستّين راهبا من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن وأسلموا . وهم : بحيرا الراهب ، وإدريس ، وأشرف ، وأبرهة ، وثمامة ، وقثم ، ودريد ، وأيمن ، أي ممّن يحسنون العربية ليتمكّنوا من فهم القرآن عند سماعه . وهذا الوفد ورد إلى المدينة مع الذين عادوا من مهاجرة الحبشة ، سنة سبع فكانت الإشارة إليهم في هذه الآية تذكيرا بفضلهم . وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معيّنون من النصارى أسلموا في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . ولعلّ اللّه أعلم رسوله بفريق من النصارى آمنوا بمحمّد صلى اللّه عليه وسلّم في قلوبهم ولم يتمكّنوا من لقائه ولا من إظهار إيمانهم ولم يبلغهم من الشريعة إلّا شيء قليل تمسّكوا به ولم يعلموا اشتراط إظهار الإيمان المسمّى بالإسلام ، وهؤلاء يشبه حالهم حال من لم تبلغه الدعوة ، لأنّ بلوغ الدعوة متفاوت المراتب . ولعلّ هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن . ولا شكّ أنّ النجاشي ( أصحمة ) منهم . وقد كان بهذه الحالة أخبر عنه بذلك النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم . والمقصود أنّ الأمّة التي فيها أمثال هؤلاء تكون قريبة من مودّة المسلمين . والرسول هو محمّد صلى اللّه عليه وسلّم كما هو غالب عليه في إطلاقه في القرآن . وما أنزل إليه هو القرآن . والخطاب في قوله تَرى أَعْيُنَهُمْ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم . إن كان قد رأى منهم من هذه صفته ، أو هو خطاب لكلّ من يصحّ أن يرى . فهو خطاب لغير معيّن ليعمّ كلّ من يخاطب . وقوله : تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ معناه يفيض منها الدمع لأنّ حقيقة الفيض أن يسند إلى المائع المتجاوز حاويه فيسيل خارجا عنه . يقال : فاض الماء ، إذا تجاوز ظرفه . وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين . وقد يسند الفيض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي ، فيقال : فاض الوادي ، أي فاض ماؤه ، كما يقال : جرى الوادي ، أي جرى ماؤه . و في الحديث : « ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه » . وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسناد المجازي فيقولون : فاضت عينه دمعا ، بتحويل الإسناد المسمّى تمييز النسبة ، أي قرينة النسبة المجازية . فأمّا ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون ( من ) الداخلة على الدمع هي البيانية التي يجرّ بها اسم التمييز ، لأنّ ذلك عندهم